ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

712

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

غلمانه ومعاملة رعيته ، بل هذا مثال العالم بالقسمين معا التارك لما يعرفه وهو عين الغرور ، فلو ترك هذا العالم جميع ما عرفه واشتغل بأدنى معرفة ، ومعرفة ما يحبه ويكرهه لكان ذلك أقرب إلى نيله المراد من قربه واختصاصه به ، بل تقصيره في العمل واتباعه للشهوات يدل على أنه لم ينكشف له من المعرفة إلّا الأسامي دون المعاني ، إذ لو عرفه ( تعالى ) حق معرفته لخشي واتقاه كما نبه اللّه ( تعالى ) عليه بقوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 1 » ولا يتصور أن يعرف الأسد عاقل ثم لا يتقيه ولا يخافه ، وقد أوحى اللّه ( تعالى ) إلى داود عليه السّلام « خفني كما تخاف السبع الضاري » نعم ، من يعرف الأسد لونه وشكله واسمه قد لا يخافه فكأنه ما عرف الأسد وفي فاتحة الزبور : رأس الحكمة خشية اللّه ( تعالى ) . الفصل العاشر ينبغي لكل عالم تطهير النفس عن الرذائل الخلقية ، فإنها أهم من العلوم الرسمية ، وللعالم في تقصيره في العمل « 2 » بعد أخذه لظواهر الشريعة واستعمال ما دونته العلماء القدماء من الصلاة والصيام والدعاء وتلاوة القرآن وغيرها من العبادات ضروب أخر ، فإن الأعمال الواجبة عليه فعلا من غير الواجبة غير منحصرة فيما ذكر من الخارج عن الأبواب التي رتبها الفقهاء ما هو أعم ، ومعرفته أوجب ، والمنافسة عليه أعظم وهو تطهير النفس عن الرذائل الخلقية من الكبر والرياء والحسد والحقد وغيرها من الرذائل المهلكات مما هو مقرر في علوم تختص به ، وحراسة اللسان عن الغيبة والنميمة وكلام ذي اللسانين وذكر عيوب المسلمين وغيرها ، وكذا القول في سائر الجوارح ، فإن لها أحكاما تخصها وذنوبا مقررة في محالها لا بد لكل أحد من تعلمها وامتثال حكمها ، وهي تكليفات لا توجد في كتاب البيوع والإجارات وغيرها من كتب الفقه ، بل لا بد من الرجوع فيها إلى علماء الحقيقة العالمين وكتبهم المدونة في ذلك ، وما أعظم اغترار العالم باللّه ( تعالى ) في رضاه بالعلوم الرسمية وإغفاله لإصلاح نفسه وإرضاء ربه ( تبارك وتعالى ) ، وغرور من هذا شأنه يظهر لك من حيث العلم ومن حيث العمل . أما العلم فقد ذكرنا وجه الغرور فيه وأن مثاله مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء

--> ( 1 ) - فاطر : 28 . ( 2 ) - خ ل : العلم .